القرطبي
61
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وآخر يقول كاهن ، وآخر يقول شاعر ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد ، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه ، وتسميه العرب به ، فقام منهم رجل فقال : شاعر ، فقال الوليد : سمعت كلام ابن الأبرص ، وأمية بن أبي الصلت ، وما يشبه كلام محمد كلام واحد منهما ، فقالوا : كاهن . فقال : الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط ، فقام آخر فقال : مجنون ، فقال الوليد : المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط . وانصرف الوليد إلى بيته ، فقالوا : صبأ الوليد بن المغيرة ، فدخل عليه أبو جهل وقال : مالك يا أبا عبد شمس ! هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت . فقال الوليد : ما لي إلى ذلك حاجة ، ولكني فكرت في محمد ، فقلت : ما يكون من الساحر ؟ فقيل : يفرق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فقلت : إنه ساحر . شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون : إن محمدا ساحر . ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة ، ونزلت : " يا أيها المدثر " . وقال عكرمة : معنى " يا أيها المدثر " أي المدثر بالنبوة وأثقالها . ابن العربي : وهذا مجاز بعيد ، لأنه لم يكن تنبأ بعد . وعلى أنها أول القرآن لم يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل . الثانية - قوله تعالى : " يا أيها المدثر " : ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويا فلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة " المزمل " . ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد : ( قم أبا تراب ) وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ترابه ، خرجه مسلم . ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق : ( قم يا نومان ) وقد تقدم . الثالثة - قوله تعالى : ( قم فأنذر ) أي خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا . وقيل : الانذار هنا إعلامهم بنبوته ، لأنه مقدمة الرسالة . وقيل : هو دعاؤهم إلى التوحيد ، لأنه المقصود بها . وقال الفراء : قم فصل وأمر بالصلاة . الرابعة - قوله تعالى : ( وربك فكبر ) أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم ، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد . وفي حديث أنهم قالوا : بم تفتتح الصلاة ؟